bullet

الموضوعية

bullet

التسامح

bullet

اللغة العقلانية

bullet

الطمأنينة

bullet

النقد والنقد الذاتي

bullet

تبادل الاحترام

bullet

النزاهة

bullet

الحياد

bullet

مهارات التواصل

bullet

حسن الاستماع

bullet

إجادة الحديث

bullet

لغة الجسم

 

حاولنا في مكان آخر من هذا الموقع تعريف الحوار بأنواعه المختلفة وتحديد نطاقه، ثم راجعنا في باقي الفصول جوانبه التي قننت ومصطلحاته التي استقرت وقواعده وإجراءاته التي وصفت بدقة. وهذه هي (قواعد وإجراءات المداولات) الملزمة نصاً وروحاً لكل الأطراف المشاركة في كل اجتماع والمتعاقدة في أي تنظيم. في هذه الخاتمة نراجع جوانب أخرى من آداب وقيم وأخلاقيات الحوار التي إذا توافرت للتنظيم جعلته أقرب للكمال من غيره، وإذا كفلت لاجتماعاته جعلتها أكثر جدوى وفائدة، وإذا أجادها الفرد جعلته أكثر وعياً وأبلغ مشاركة.

الموضوعية

ذكرنا في مواضع متفرقة من هذا الموقع أن قواعد المداولات لا تطبق إلا بـ (موضوعية)، ولغة الحوار لغة (موضوعية)، والنقد يجب أن يكون (موضوعياً)، وقواعد المداولات تساعد في الوصول لقرارات (موضوعية)، والولاء الأعمى قد يؤثر على (موضوعية) أعضاء التنظيم، الخ. فما هي (الموضوعية)؟ للموضوعية عدة معاني في سياق التداول وتتكون من عدة عناصر أهمها: التسامح، اللغة العقلانية، الطمأنينة، النقد والنقد الذاتي، الاحترام المتبادل النزاهة، والحياد.

التسامح

حتى يكون الحوار بين الأفراد والتنظيمات مجدياً، يجب أن تتوافر فيه المقومات اللازمة. فيجب إن يسوده الجو الذي يساعد على التواصل بين أطرافه: جو التسامح وتقبل كل طرف فيه للآخرين ولآرائهم ولمواقفهم مهما اختلف معها. وقيمة التسامح قيمة أساسية يجب أن تتوافر في كل حوار، وفقدانها هو التعصب بعينه. وقد أثبتنا في عدة مواضع من هذا الكتاب مبدأ المسئولية الفردية وأهميته في التداول واتخاذ القرار. والتعصب يلغي هذه الفردية ويلغي حرية التفكير خصوصاً إذا اعتقد الفرد أنه امتلك الحقيقة وحده، فاشتط في معارضته وخصومته، وتحمس حماساً مرضياً لرأيه وموقفه، أو بالأحرى رأي وموقف الجماعة التي انتمي إليها، وأنكر كل رأي وموقف آخر.

اللغة العقلانية

اللغة المطلوبة في الحوار لغة موضوعية تأتي من عقل واع نتيجة تفكير مستقيم، وتخاطب العقل بالحجج والبراهين، وتسوق المعلومات الموثقة والحقائق التي لا تدحضها إلا حقائق أمتن وأوثق. ولغة الحوار لغة دقيقة، تسند المعلومات لمصادرها بأمانة، ولا تركن لفرضيات مسبقة أو تعميمات أو مسلمات لا يسندها واقع. واللغة الموضوعية لغة معبرة، واضحة، سهلة، صحيحة، مهذبة وبعيدة عن الدارجة السوقية، وعن الإسفاف والفحش والبذاءة. أي لغة تنبو عن الذوق واللياقة وأي ألفاظ من شأنها أن تثير النعرات العنصرية والعنف بين الناس محظورة أثناء الحوار. فقد دلت التجارب على أن مثل هذه اللغة تعكر هدوء المناقشة وتشوش فكر المتحاورين.

الطمأنينة

لا يكفي أن يكفل القائمون بأمر أي اجتماع للمتحاورين فرصاً متساوية في الحديث، ولا يكفي أن يتيحوا لهم المكان المناسب والمحايد الذي يستطيعون الوصول إليه دون عناء أو مشقة، عليهم أيضاً أن يتيحوا فيه الظروف التي تكفل التعبير الحر عن الرأي باطمئنان ودون خوف. فالجو الهادئ يساعد على انتباه العقل وعلى استيعاب الحجج وتفنيدها، أما جو الرهبة والخوف والتوجس والحذر فينحرف بالحوار من مستوى موضوعي وعقلاني إلى مستوى عاطفي يبعده عن إصدار قرارات صائبة. فالمهدد في ماله وسلامته والخائف على رزقه، وفي كثير من الأحيان الجاهل بحقه، سليب الإرادة لا يتوقع منه أن يعبر عن رأيه بالوضوح اللازم.

النقد والنقد الذاتي

من المهم أن يشجع كل تنظيم كل عضو فيه أن ينتقد نفسه وينتقد غيره ويتقبل نقد الآخرين له بصدر رحب. وينمي فيه روح التسامح التي تمكنه من أن يعتذر، في الحالات البسيطة، علناً عن هفواته وزلات لسانه إذا أخطأ في حق غيره. أما نقد المرء لنفسه فهو اعترافه بإرادته الحرة اعترافاً علنياً وجريئاً وشجاعاً بالخطأ ووضع ذلك الخطأ في إطاره الصحيح، ونشر ملابساته، وعقد النية على عدم تكراره، والعزم على تصحيحه. والنقد بهذا الفهم عمل صعب لأن المرء يتخلى فيه عن مواقف وآراء دافع عنها مدة طويلة. ولأن مثل هذا النقد فيه إنكار للذات، فإن من يقوم به يستحق إشادة وتقدير زملائه.

يضع التنظيم الأسس والطرق التي تجعل النقد والنقد الذاتي متلازمان حتى يكونان من أدوات البناء وتصحيح الأخطاء. فمن القواعد الهامة أن نقد الغير ونقد الذات لا يكونان مجديان ونظاميان إلا إذا تما من داخل أجهزة التنظيم، وإلا إذا راعيا الأمانة وتجردا عن الغرض والرغبة في التشهير أو الانتقام وتصفية الحسابات. فإذا انتقد عضو غيره، عليه أن يقدم البينة والدليل وأن يتحمل مسئولية أي اتهام كاذب أو مغرض. أما قيادات التنظيم في مستوياتها المختلفة فتنتقد نفسها كما تخضع لنقد الأعضاء. فإذا أخفقت فيما كلفت به من مهام، حاسبوها وقوموها بإجراءات محددة متفق عليها، أو بدلوها أو أقالوها أو أجبروها على الاستقالة إذا رأوا ضرورة لذلك.

تبادل الاحترام

على المتحاورين واجبات يجب أن يقوموا بها نحو بعضهم البعض. على كل واحد أن يؤكد احترامه للآخرين وأن يكون واسع الصدر مرناً في تعاونه معهم فيعطي كل ذي حق حقه ويعترف بمنزلة ومقام محاوره وإن كان خصمه. فيخاطبه بالعبارات اللائقة والألقاب التي يستحقها وبالأساليب المهذبة. فتبادل الاحترام يقود إلى قبول الرأي الآخر إذا كان صائباً، أما انتقاص الآخرين وتجهيلهم فأمر معيب. وتقدير المحاور واحترامه للآخرين لا يمنعه من أن ينصحهم ويصحح أخطاءهم بالأساليب الرفيعة والطرق الوقورة. فالتقدير والاحترام غير الملق الرخيص والنفاق المرذول والمدح الكاذب والإقرار على الباطل.

 النزاهة

على المتحاور أن يتوخى النزاهة والجدية في أعماله وأقواله وأن يتجرد في مقاصده حين يحاور الآخرين، وأن ينتقد آراءهم ويفند تصرفاتهم وأفعالهم ويدحضها بكل قوة إذا دعا الحال وبكل ما أوتي من حجج وبراهين. فالغرض الأساسي للتداول هو نقاش التدابير والأفكار لا مهاجمة الأشخاص.

والرأي نسبي، وبناء عليه فليس شرطاً من شروط الحوار الناجح أن ينتهي أحد الطرفين إلى الاقتناع برأي الطرف الآخر. إن تحقق هذا فهو منتهى الغاية، وإن لم يتحقق فالحوار ناجح إذا توصل كل طرف إلى قبول واحترام الرأي الآخر. لكن يكون الحوار فاشلاً إذا انتهى إلى نزاع وقطيعة ومكايدة وتجهيل وتخطئة.

وعلى الفرد إذن، ألا يصنِّف الآخرين وآراءهم جزافاً وألا يحاكمهم أو يحكم على آرائهم بنواياهم وألا يذم أو يعيب غيره أفراداً كانوا أو جماعات حاضرين أو غائبين، علناً أو تلميحاً. فلا يعمد إلى الانتقام ممن يعارضه في الرأي فيحاربه في رزقه أو يشهر به، أو يطعن في عقيدته، أو يشكك في ولائه لوطنه متهماً إياه بالخيانة أو العمالة، أو يستعدي عليه السلطة أو المجتمع أو العائلة.

وكسب القلوب مقدم على كسب المواقف. فقد تفحم الخصم ولكنك لا تقنعه. وقد تسكته بحجة ولكنك لا تكسب تسليمه. على المتحاور أن يلتزم بالقول الحسن، وأن يتجنب منهج التحدي والإفحام، وأن يبعد نفسه عن أسلوب الطعن والتجريح والهزء والسخرية وألوان الاحتقار والإثارة والاستفزاز، وأن ينأى عن التعسف في الحديث وعن تعمد إيقاع الخصم في الإحراج.

الحياد

على المتحاور ألا ينحاز مسبقاً إلى طرف من أطراف النزاع، بل عليه أن يعطي كل رأي آخر حقه الكامل في التعبير عن نفسه ثم يزن كل الحجج بميزان يخلو من الغرض، وعندما ينحاز يكون انحيازه نتيجة تقدير (موضوعي) بحت لإيجابيات الحجج وسلبياتها.

مهارات التواصل

على المتحاورين الذين يطمحون لحوار هادئ هادف أن يبدءوه بمواطن الاتفاق. فذلك هو الطريق إلى كسب ثقة بعضهم ببعض وسيادة روح التفاهم بينهم. فبدء الحديث بنقاط الاتفاق وتقريرها يفتح آفاقاً من التلاقي والقبول ويقلل الجفوة ويردم الهوة ويجعل فرص الوفاق والنجاح أفضل وأقرب. أما استفتاح الحوار بنقاط الخلاف والنزاع فيجعل ميدانه ضيقاً وأمده قصيراً، ومن ثم يحمل كل طرف على التحفز في الرد على صاحبه متتبعاً لزلاته، ولإبرازها وتضخيمها. فتتنافس أطراف الحوار في أن تتغلب على بعضها بعضاً أكثر مما تسعى لوفاق.

على المرء أن يبعد من يتحاور معه من لفظ (لا). فلفظ (لا) ليس هو مجرد حرفين، بل هو تحفز كيان الإنسان بأعصابه وعضلاته وغدده واندفاع بقوة نحو الرفض. وعليه أن يبتعد من استخدام ضمير المتكلم، فلا يقل فعلت وقلت وفي رأيي وفي تجربتنا. فهي ألفاظ ثقيلة على نفوس المستمعين لأنها عنوان الإعجاب بالنفس. والناس تشمئز من المتعالم المتعالي. فمن اللائق أن يبدلها المتكلم فيقول: يبدو للدارس، وتدل تجارب العاملين، ويقول المختصون، وفي رأي أهل الشأن، إلى غيرها من الألفاظ المتواضعة. على المستمع أن يشعر محدثه بمشاركته له في بعض قناعاته. فيصرح له بالإعجاب بأفكاره الصحيحة وأدلته الجيدة ومعلوماته المفيدة، ويعلن له رضاه بها وتسليمه لها، فهذا مما يفتح القلوب ويقارب الآراء.

على المتحاور أن يكون متواضعاً فيدفع عن نفسه حب الظهور والتميز على غيره وإظهار البراعة وعمق الثقافة. فالسعي وراء انتزاع الإعجاب والثناء واستجلاب المديح مفسد للأمور صارف عن الغاية. عليه  ألا يهول الأمور أو يبالغ في الوصف، وأن يفترض دائماً الفطنة والذكاء في محاوره، لكن ليس الذكاء المفرط، فيكلمه بعبارات مختزلة وإشارات بعيدة ومن ثم لا يفهم عنه، ولا يفترض فيه الغباء والسذاجة أو الجهل المطبق فيبالغ في شرح ما لا يحتاج إلى شرح وتبسيط ما لا يحتاج إلى تبسيط.

تعتمد مقدرة المتحدث في الإقناع على علمه وثقافته ورجاحة عقله وحسن حكمه على الأمور، وعلى قوة إرادته وثقته بنفسه، ثم على إتقانه لقواعد وإجراءات المداولات. فالعضو العالم بقواعد المداولات المتمكن من إجراءاتها أكثر ثقة بنفسه وأدعى للاحترام من غيره. أما الأعضاء الذين يجهلونها فأقل مساهمة من غيرهم. وقد يتسببون في جدل لا طائل من ورائه أثناء الاجتماعات، ويبددون طاقات الأعضاء ويثيرون الخلافات والفرقة بينهم.

على العضو أن يعرف قدره وقدراته وإمكاناته وحدود طاقاته وطاقات غيره من المشاركين في الاجتماع. فمهما كان الشخص عالماً وحجة في مجاله فإن أثره لا يبين إلا باجتماعه مع الآخرين وبمشاركته إياهم بالحوار وإيصال رأيه لهم. ومهما كان جاهلاً بالمسألة المطروحة، فإن الصوت الذي يدلي به لهذه الجهة أو تلك قد يكون هو الصوت المرجح.

يمر الحوار في أي لقاء أو اجتماع بين أفراد جدد بعدة مراحل نفسية. ففي البداية يحاول كل واحد أن يدرس الآخرين ليتعرف على مواقفهم وخلفياتهم. وهذه مرحلة فيها كثير من الحذر. وبعد أن يصل كل عضو لمعرفة معقولة بالآخرين، يبدأ في اختبار هذه المعرفة أثناء النقاش. وبتطور سير الاجتماع، ينمي العضو تلك المعرفة وقد يخلق تحالفات غير معلنة مع بعضهم يحدد بها مواضع قوته وضعفه، ويضع الإطار العام لما هو مطلوب من الاجتماع من نتائج. الاجتماع الجيد هو الذي يكفل انسياباً سلساً وتدرجاً سهلاً عبر هذه المراحل النفسية ليصل لمرحلة القرارات.

حسن الاستماع

على المحاور أن يكون مستمعاً ذكياً. فالسماع الجيد يتيح القاعدة الأساسية لالتقاء الآراء ولتحديد نقاط الخلاف وأسبابها. فحين يصغي المرء باهتمام لمحدثه يؤكد له جديته وتقديره له وإن خالفه الرأي. والاستماع الحسن يفتح قلوب الآخرين، ويريح النفوس وتسلم فيه الأعصاب من التوتر والتشنج. فعلى المرء ألا يقاطع الآخرين، ويصغي لحديثهم باهتمام ويركز على ما يقولونه وينتبه لكل تلميحاتهم وخلجات وجوههم وأجسادهم حتى يتعرف على ما يودون التعبير عنه لا ما يتوقع هو سماعه.

على المرء أن يفرق بين ما يورده المتحدث من حقائق وبين ما يظهره من ميول. فعندما يصغي العضو بطريقة جيدة لحديث الآخر فإنه يتمكن من التمييز بين الحقائق وغيرها، ويفهم ما بناه المتحدث عليها من نتائج. وبالتالي، يمكنه أن يعيد بناءها إن كانت غامضة لمعان أكثر وضوحاً أو يقرر على ضوئها ما يراه مناسباً وهو مالك لمعلومات وآراء أوفر.

على المرء ألا ينشغل عن الإصغاء للآخرين بالتفكير فيما سيقوله هو لئلا يكرر ما قيل أو يغفل آراء أوردها غيره. عليه ألا يسمح لميوله وعواطفه وتحيزه لآرائه من أن تمنعه من أن يصغي للآخرين ويستمع لحججهم، وألا يكون ذلك مجاملة وتأدباً وانصياعاً لقواعد السلوك القويم فقط، بل استعداداً لتلقي جميع الآراء وتقليبها على كافة وجوهها، فيقبل ما يراه صواباً ويرفض ما يرفض. فالتحيز قصور في الإدراك، إذ أنه يقيم الحجة على جزء من الموقف أو على وجهة نظر واحدة دون الالتفات إلى مجمل العوامل التي تؤثر عليها عن عمد أو غير عمد.

إجادة الحديث

الاجتماع في أغلب أنواعه ليس حلبة بلاغة يتبارى فيها الخطباء بل منبر هادئ لعرض الآراء والحجج. ومتطلبات المنطق والتفكير الهادئ غير متطلبات الخطابة. وقد تتفاوت قدرات الأفراد على البيان، فالبعض قد جود وسائله وقدراته فصار بليغاً ودقيقاً في عرض آرائه، والبعض الآخر متفاوت القدرات متواضع المواهب.

المطلوب من كل فرد أن يحاول التعبير عن نفسه بطريقة ملائمة وأن يوصل أفكاره للآخرين. فمهما تواضعت قدراته، يمكنه أن يقطع شوطاً مناسباً في التواصل مع غيره إذا تريث قبل أن يطلب الحديث، وإذا تحدث على قدر حاجة موضوعه، وإذا تحدث عن علم لا عن ظن وتخمين. ومن حق من لا يعلم أن يسأل ليفهم لا أن يعترض ويجادل بغير علم. فلن يستفيد المرء ولن يفيد إذا كرر آراء غيره أو كرر نفسه، لذلك عليه أن يكتفي بتأييد ما سبقه إليه الآخرون مع ذكر أي إضافة يراها. فالإطالة والتكرار في الحديث مدعاة للملل وإضعاف للحجة ما لم تضف جديداً.

في كثير من الأحيان تكون القضايا المطروحة للتداول واضحة لا تحتاج لجهد كل الأعضاء. فمن الحكمة، إذن، أن يتأكد المرء قبل أن يطلب الكلمة بأن كلامه سيضيف جديداً وسيؤثر على سير النقاش وفي اتخاذ القرار. فلا جدوى من الحديث من أجل الحديث ولا مبرر لأن يحس المرء بالقصور إذا لم يتحدث.

على المتحدث أن يحرص على ألا يرفع صوته أكثر من الحاجة، فارتفاع الصوت دون مناسبة معقولة فيه رعونة وإيذاء للنفس والغير. ورفع الصوت لا يقوي الحجة ولا يجلب دليلاً ولا يقيم برهاناً. بل إن صاحب الصوت العالي لم يعل صوته - في الغالب - إلا لضعف حجته فستر عجزه بالصراخ. وهدوء الصوت عنوان العقل والاتزان والفكر المنظم والثقة الواثقة.

وحين تطغى المهاترات في الاجتماع، وتعلو الأصوات، تظل الأغلبية العاقلة صامتة حياء من الذي يجري ويأساً من المستوى الذي انحدر إليه الحوار. ويفقد الاجتماع من جراء ذلك آراء وأفكاراً جيدة.

على المتحدث ألا يستأثر بالكلام ويسهب في الحديث ويسترسل بما يخرج به عن حدود اللياقة. فقد يكون من أسباب الإطالة في الكلام إعجاب المرء بنفسه وحبه للشهرة والثناء، وظنه أن ما يأتي به جديد على الناس. ففي الإطالة في كثير من الأحيان قلة مبالاة بالناس واستهانة بعلمهم ووقتهم وظروفهم.

لغة الجسم

فضلاً عن الكلمة المسموعة فإن لغة الجسم تؤثر تأثيراً كبيراً في كفاءة نقل أفكار المرء لغيره. ليس ذلك فحسب، بل حين يقول الواحد بكلماته شيئاً وينقل بتعبيرات وجهه وحركات جسمه ومظهره شيئاً آخر، فإن المستمع غالباً ما يرجح لغة الجسم على أنها الأصدق. لذلك كان على كل فرد يشارك في اجتماع أو في أي محفل ألا يهمل ما يمكن أن ينقله بحركات جسمه وسكناته ووضعه ومظهره، وبصوته وبتعبيرات وجهه وخلجاته.

فحين يختار المرء مكانه في الاجتماع بحيث يراه الرئيس بسهولة، يكون بذلك قد اختار عن قصد أو دون قصد مكاناً يبني به أول جسور التواصل بينه وبين الرئيس وباقي الأعضاء. أما إذا اختار مكاناً منزوياً أو على أطراف الصفوف أو قرب مخارج القاعة، فقد يدل بذلك بطريق غير مباشر على عدم تفرغه عقلاً وجسداً للاجتماع.

أيضاً يعطي وضع المرء وهو جالس رسالة للرئيس ولغيره من الأعضاء تستحق الملاحظة. فالذي يجلس منتصباً مائلاً للأمام في وضع الكتابة يعطي انطباعاً بجديته في متابعة الحوار أكثر من المسترخي أو مغمض العينين. فهذه أوضاع تنبئ عن اللامبالاة. أما الذي يقف منتصباً معتدل القامة، فيترك انطباعاً أقوى من المنحني أو المنكفئ على الأرض. إذن، إذا وقف المتحدث، فعليه أن يقف معتدلاً بارز الصدر مائلاً قليلاً إلى الأمام، فتلك هيئة تدل على حماسته لما يقول وثقته في نفسه، على عكس الميل بالجسم للخلف الذي يدل على شيء من السأم. أما حركة الجسم من جانب إلى آخر فتدل على الارتباك وعدم المقدرة على اتخاذ القرار.

على المرء أيضاً أن يراقب حركات رأسه وعينيه. فحين يستمع لغيره ويتجاوب معه بهز رأسه، يؤكد له بأنه متابع لحديثه بل يرسل له رسالة مبطنة يحثه بها على مواصلة الحديث. والعكس قد يكون أيضاً صحيحاً، فقد يسكت المتحدث حين يتوقف المستمع عن هز رأسه.

وحين يتبادل المرء مع الآخرين النظرات، تتحدث عيناه معهم باستمرار. فالعيون تولد الألفة وتقرب بين الناس وتذلل طرق التفاهم بينهم. بل هي لغة إذا أجيد استعمالها نقلت العديد من الرسائل أثناء الاجتماع دون أن تعكر صفوه. على المرء حين يتحدث أن يركز نظره على شخص بعينه أثناء خطابه ثم يتحول لآخر، ولا يترك عينيه تائهتين في سماء القاعة. عليه أن يكون جاداً دون مغالاة وألا يتبسم أو يضحك دون داع.

على المرء أن ينتبه لطريقته في الحديث، ويا حبذا لو استمع لتسجيل لصوته أو شاهد نفسه وهو يتحدث على طبيعته، وقيم أداءه أو استمع لتقييم من يثق فيهم. فقد ينبهه ذلك لبعض الزلات والهنات التي يمكن تلافيها، فيصبح أكثر تعبيراً عن نفسه وتأثيراً على الآخرين. على المرء عموماً أن ينتبه لسرعته في الحديث، ولمخارج حروفه ولحجم صوته وحدته، ولفترات سكونه وتكراره لنفسه أو لبعض مقاطع حديثه وهمهماته، وأن يغير منها حتى لا يكون صوته رتيباً مملاً.

على المرء أن يعتني بهندامه ومظهره، فالناس بطبعها تميل للشخص الأنيق. على المرء أن يقترب ممن يتحدث إليه. فهناك ما يشير إلى أن القرب الجسمي مقرون بالقرب النفسي. وقد يكون للمصافحة أو اللمس الرفيق على الكتف (في المكان والزمان المناسبين وللشخص المناسب) مفعول السحر في تمرير اقتراح أو قبول فكرة. 

 

Copyright 2001by Dr. Ahmad Al Safi: Practical Democracy (الديموقراطية العملية). All Rights Reserved
Last modified: April 30, 2003