الحوار هو تبادل للحديث (بث للمعرفة وتبادل للمعلومات) بين طرفين أو أكثر يقصد به تصحيح كلام أو إظهار أو إقامة حجة أو إثبات حق أو توضيح رؤى. يستعمل هذا الكتاب مصطلح الحوار كاسم جنس ليشمل، ضمن ما يشمل، المناقشة والتفاوض والمداولة.
يفتح الحوار، خصوصاً عندما يكون منظماً، المجال لفهم الواقع وتفسيره والتعرف على مشاكله وإيجاد الحلول المناسبة لها وإعادة صياغته على ضوء المعلومات المستجدة والمضي به وبالمجتمع خطوة للأمام. كما يهدف للبناء بتحليل الواقع ونقده بموضوعية تستند على الحقائق الثابتة، مستعملاً لذلك كل أساليب ونظريات وتقنيات المعرفة الجديدة وآداب وفنون وعلوم البحث.
ويستثمر الحوار الموارد الفكرية للإنسان، ويسخر مبادراته وإبداعاته في تحقيق الصالح العام حين يفتح المجال لأكبر عدد ممكن من الآراء الراشدة وللمفكرين والاختصاصيين ليشارك كل واحد منهم في مجاله بالرأي والخبرة. ويتيح الحوار ويولد بالتالي آراء وأفكار وخبرة وتجربة أكبر للأفراد تمكنهم من أن يتخذوا قراراتهم عن علم ومعرفة بمختلف الآراء والميول والاتجاهات. وفي بعض المجالات يدفع الحوار للاجتهاد وللإنتاج والإبداع والابتكار والإمتاع. أما الرأي الواحد في تسيير شئون الجماعات والتنظيمات فيقود في المقابل للرتابة والجمود والتحجر واحتمال حدوث أخطاء كبيرة دون ضابط.
نصف أدناه في إيجاز (المناقشة) و(المداولة) و(التفاوض) وغيرها من أنماط الحوار، ثم نصف بعد ذلك نسقاً عاماً لنطاق الحوار ومستوياته ومقوماته وما يخدمه من أغراض في كل مستوى. أما مقومات الحوار التي لا يقوم بدونها ولغته التي على كل أفراد المجتمع أن يجيدوا التحدث بها، ومهاراته التي تذلل سبل التواصل بين المتحاورين، فنناقشها في مكان آخر.
النقاش أو المناقشة تفاكر عفوي أقل انضباطاً وتبادل حر للآراء والحقائق وفحصها وتقييمها في محاولة للوصول لحل أو لرأي أو إنجاز عمل. يتمخض النقاش غالباً عن توصيات واقتراحات تطرح لاحقاً للتداول للتقرير فيها. وما يدور في أعمال اللجان والمجموعات الصغيرة وجلسات السماع نوع من النقاش.
والنقاش لعفويته قد ينقلب لجدال يشتد فيه اعتداد كل طرف بما هو عليه من قول أو رأي أو موقف. لذلك وضعت الخبرة الإنسانية صيغة منظمة ودقيقة لتستكشف بها المسائل بدلاً من الصراع حولها، وأسمت ذلك بالمداولة أو التداول.
المداولة هي حوار بين مجموعة من الأفراد حول اقتراح مطروح أمامهم في اجتماع رسمي يتم وفق قواعد وإجراءات متفق عليها وبطريقة تتسم باللياقة واللطف ورحابة الصدر والاحترام المتبادل وذلك بغرض الوصول إلى قرار مناسب بشأنه قبولاً أو رفضاً.
وفي الواقع العملي، التداول هو كلمات الأعضاء الذين مع أو ضد ذلك الاقتراح، أو أي مداخلات محايدة تعطي أو تطلب معلومات عنه ولا تأخذ بالضرورة موقفاً معه أو ضده. ولكل عضو في الاجتماع الحق في أن يحاول عن طريق الحوار أن يقنع الأغلبية بالعقل والبرهان والدليل بأن تتبنى وجهة نظره أو تقف معه حتى يفوز اقتراحه.
والتداول تدبير مسبق وأسلوب منظم لمعالجة المسائل بانتقائها وعزلها لدراستها والتقرير فيها بطريقة منهجية. بالتالي، مهما كانت طبيعة المداخلات أثناء التداول، يجب أن تكون كلها من جنس موضوع الاقتراح ولا يخرج المتحدث فيها عنه ليتعرض لموضوع آخر لا يمت لها بصلة.
بهذا الفهم، المداولة تقصي ودراسة للمسائل التي تطرح على المجموعة من أجل فهمها أو اتخاذ قرار بشأنها، أو من أجل التخطيط أو حل المشكلات أو الحكم على الأشياء، أو للقيام بعمل ما. والتداول هو الطريقة المتبعة للتقرير في المسائل في المحاكم وفي الهيئات التشريعية وفي التنظيمات المختلفة في المجتمع وأجهزة الدولة.
التفاوض نوع من الحوار بين طرفين متنازعين لكل طرف أهدافه ومواقفه التي تختلف عن أهداف ومواقف الطرف الآخر، لكن تراضى الطرفان على اللقاء بأمل محاولة إقناع كل منهما للآخر بتغيير موقفه والوصول لحلول مرضية للطرفين أو لتسوية مؤقتة للنزاع الذي نشأ بينهما.
يفترض أن يخضع التفاوض مثله مثل أي حوار عاقل بين أي أطراف لآداب الحوار العامة، لكنه لا يخضع لطرق اتخاذ القرار المتفق عليها في قواعد المداولات السائدة. فقد يتطلب التفاوض حلولاً توفيقية يرتضيها الطرفان، وقد يحتاج لوساطة طرف ثالث يستمع لوجهات النظر المختلفة ويقترح بعض الحلول التي رغم أنها غير ملزمة لأي طرف إلا أنها قد تقرب الشقة بينهما. وقد يلجأ الفريقان في نهاية المطاف لتحكيم جهة محايدة تستمع لكل وجهات النظر وتقيمها وتقترح حلولاً ملزمة لكل الأطراف.
الحوار هو القاعدة الأولى لغرس الشرعية في النشاط الإنساني حيث يبدأ مع الذات لإدراكها والوعي بها والوصول إلى سلام معها ومن ثم مع الأسرة والمجتمع. والحوار في المجتمع يجري على نطاق عريض ويأخذ أشكالاً لا تحصى منها العفوي اليومي الذي يدور بين الأفراد في مجالس أنسهم، ومنها التداول المنتظم الذي يتم من خلال تنظيمات المجتمع التي تستوعب وتؤطر نشاط المواطنين وتبلور آمالهم وطموحاتهم المشتركة، وتبرز إرادتهم الجماعية ورؤاهم لحاضرهم ومستقبلهم. و(حوار المجتمع) هذا نشاط مستمر بين الناس لا ينقطع أثناء حرب أو سلم، فقر أو غنى.
لا يستطيع المجتمع، في مستوى قاعدته وتنظيماته، أن يبلور بالحوار أفكاره بأكثر من أن يضعها كأسس وأصول عامة يقدمها لمستويات أخرى. فيأخذ كل مستوى وينتقي من المستوى السابق ويعطي التعليمات للمستوى التالي ليواصل الحوار. يتصرف كل مستوى من مستويات الحوار وفق نظام معين، ولكل مستوى سلطة تقديرية تمكنه من مواصلة الحوار وبلورة المسائل أكثر.[i]
أهم الفرضيات التي يقوم عليها الحوار في مستوى المجتمع هي:
 | الحقيقة مسألة فردية ليس للمجتمع علم سابق بها، بل هناك فقط الحقيقة كما يعلمها الفرد في اللحظة وفي الظروف المعينة التي يتخذ فيها قراره. |
 | إن ما يصوغه المجتمع من أسس وأصول عامة للحياة ليست أسساً أو أصولاً جامدة بل يمكنه أن يجددها ويعيد صياغتها بقدر المعرفة المتاحة له أو بقدر ما ازدادت تلك المعرفة ودقت. |
 | إن للإنسان استعداداً فطرياً لأن يؤمن بالحقائق وينزل على حكمها متى عرضت عليه بطريقة مقنعة، وإنه هو الذي يسن قوانين المجتمع وينظم نشاطه. |
 | إن المواطنين ممثلين بنوابهم هم الذين يضعون تشريعات الدولة وقوانينها ونظمها وقواعد كل نشاط فيها، وهم الذين يختارون قيادتهم، وهم الذين يبعدون تلك القيادة عن الصدارة متى شاءوا. |
 | إن علم الفرد محدود، وقدرته مهما عظمت لن تخرج من نطاق القدرة البشرية، وفطرته فيها النسيان والجهل والظن والهوى وجميعها تقوده للخطأ. لكن يظل الفرد مسئولاً عن تصرفه فعلاً وقولاً أينما كان وكيف ما شارك في أنشطة الحياة. |
 | كل الأفراد في المجتمع متساوون، وحريتهم في التعبير عن آرائهم مكفولة وحقهم في الخلاف مضمون. فعلاقة الفرد بالجماعة ينظمها القانون وتؤسسها حقوق غير قابلة للاعتداء عليها حتى من قبل القانون نفسه. لكن، ما دامت الحقيقة فردية وغير معصومة من الخطأ، فحكم الفرد سيكون مشروطاً ومؤقتاً، فما يراه صحيحاً اليوم قد لا يراه كذلك غداً. |
 | إن القرار في المجتمع هو ثمرة التفاعل بين كل القوى فيه، ومصلحة الأغلبية هي المقياس الذي يجب أن يتغلب في اتخاذه وعلى الأقلية أن تلتزم به. |
 | إن علاقات فئات المجتمع حين تتبادل الأدوار وتتبادل السلطة، علاقات تكامل من خلال الدولة، كل دور فيها محكوم وكل سلطة فيها مقيدة بباقي مكونات المجتمع وعلاقاته. |
 | هناك قيم ومبادئ تراضى عليها المجتمع والتزم بمضامينها لتكون أساساً لسلوكه لأنها تعطيه الشعور بأنه كيان واحد. على كل حوار أن يراعي هذه القيم والمبادئ ويجعل منها سياجاً يعمل في نطاقه. وعليه أن يراعي ويحترم عقائد الأمة، ويكون مضبوطاً مع أخلاقها، وموزوناً مع قيمها، ومتسقاً مع الفطرة السليمة. |
بعد مستوى (حوار المجتمع) يبدأ (حوار الهيئة التشريعية) وفيه يختار المواطنون نوابهم عن طريق الانتخابات العامة لمتابعة نقاش قضايا المواطنين في مستوى تلك الهيئة. وفي هذه المرحلة يحمِّل المواطنون نوابهم الأسس العامة التي اتفقوا عليها ويزودوهم بالتعليمات اللازمة لمواصلة الحوار حولها في نقاط محددة. فتتابع الهيئة التشريعية الحوار وتترجم الأسس العامة التي تبلورت من حوار المجتمع إلى أحكام قانونية تسن بتشريعات.
وفي آخر مستوى من مستويات الحوار (حوار أجهزة الدولة التنفيذية والإدارية)، تترجم هذه الأجهزة التشريعات التي نتجت عن الحوارات السابقة إلى نظم ولوائح تسير عليها الدولة، وتركز بها جهدها ونشاطها، وتوجه بها أجهزتها التنفيذية والإدارية لتنفيذ مهامها عن طريق البرامج والمشاريع العملية، وترعى بها أداء تنظيمات المجتمع.
تنظم الدولة العمليات الانتخابية والتشريعية والتنفيذية، لكنها لا تتدخل في مرحلة الحوار على مستوى المجتمع إلا بتهيئة الظروف الملائمة له. فتحمي المواطن من العنف، وتؤمن له وللمجتمع الحماية من الأخطار الخارجية التي تهدد تماسكه ووحدته، وتمنع العوامل التي تثير التناقض في صفوفه وتحيي عوامل التخلف فيه.
توفر الدولة أيضاً المعارف والمعلومات الصحيحة التي يحتاج إليها المواطن وتتيحها له لكي يشارك ويقرر بوعي في المسائل التي تواجهه، وتضمن له الحد الأدنى من حقوق المواطنة والحد الأدنى من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية: الحق في العمل، توفير الخدمات الصحية الأساسية، الحق في التعليم، تأمين الحياة الكريمة، توفير المسكن اللائق، تلقي الغذاء الكافي، وتذليل وسائل المواصلات والاتصالات الأساسية.
وأخيراً، تنشئ الدولة الأجهزة التي تتابع ما اتفق عليه المجتمع وتترجمه إلى نظم ولوائح ومقاييس وتطبقها حتى يتمكن المجتمع من عمل شيء إذا أراد.
نمت قواعد وإجراءات المداولات عبر الزمن، ونشأت عن أعراف وتقاليد في تنظيم الأفراد والجماعات في كل مجتمع، وتراكمت بتراكم السوابق الإجرائية والقضائية التي حكمت في قضايا التنظيمات والأفراد، ومن مقررات المواثيق والعهود الدولية والإقليمية التي تحمي حقوق الأفراد والجماعات التي أصبحت جزءاً من دساتير وتشريعات أغلب الدول. توجد قواعد المداولات إذن في المصادر الآتية:
بقي أن نلاحظ الآتي: أولاً، أن (القواعد الخاصة) التي أشرنا إليها أعلاه تسبق في أهميتها وفي سلطتها أي قاعدة من (القواعد العامة) الواردة في المرجع العام الذي تبناه التنظيم، ويرجع التنظيم إليها أولاً في أي حالة يحتمل أن يحدث فيها تضارب أو اختلاف في القواعد أو الإجراءات. فينظر التنظيم في أي قاعدة وردت في وثائقه التي أعدها بنفسه أولاً قبل أن ينظر في القواعد الواردة في المرجع العام. ثانياً، أي انحراف عن أي سلوك استقر عليه التنظيم وارتضاه بمرور الزمن، يعد خرقاً يمكن أن ينبه له أي عضو من الأعضاء بنقطة نظام، ولا يمكن للاجتماع نفسه أن يتغاضى عن أي سلوك مستقر أو يلغيه إلا بالأغلبية. ومهما يكن من أمر، لا يشفع العرف السائد لأي مسئول حين يهمل أو يقصر في أداء مهامه.
لا تحتاج كل هيئة تداولية لأن تحتكم دائماً إلى حرفية قواعد المداولات. فإذا كانت الهيئة صغيرة في حجمها، ومتجانسة، ومتفاهمة، فيمكنها أن تناقش أمورها في اجتماعاتها دون رسميات أو شكليات. لكن لا تتوافر هذه الصفات في كل هيئة، فقد لا تكون المجموعة صغيرة، وقد لا تكون متجانسة أو متفاهمة، وقد لا يكون اتفاق أعضائها على المسائل المطروحة أمامهم بالسهولة المرجوة، وقد يكون عليهم أن يقرروا فيها في ظروف ضيقة أو قاهرة. بالتالي كان من الضروري أن يتبنى كل تنظيم من التنظيمات قواعد متجانسة ومتسقة ومستقرة يضبط بها نشاطه ويسير عليها ويحتكم لها لا اجتهادات يبتدعها من وحي اللحظة.
وقد جاءت القواعد والإجراءات لتطبق بمرونة ووعي بمتطلبات كل حالة تطبق عليها. فيمكن لأي اجتماع من الاجتماعات أن يتغاضى عن بعض الإجراءات إذا رأى أنها لا تخدم له غرضاً مفيداً خصوصاً إذا اتصفت تصرفاته بحسن النية وكان منصفاً لأعضائه. فقد لا يقف القانون دفاعاً عن إجراء ما على حساب الموضوع، ولا يقف ضد أي تنظيم وضد حقه في أن يضع قواعده وأحكامه ما دام يقوم بذلك في حدود سلطاته ووفق القانون.