تداول الناس في السودان في كل ما يشغلهم من أمور الحياة معتمدين في ذلك على العرف السائد وعلى التقاليد الراسخة وفوق هذا وذاك على البداهة والمنطق السليم. وكان لهم إسهامهم في هذا المجال، ولا عجب! فحين نقرأ التراث السوداني بشيء من التجريد، نجد نسقاً لأشكال التداول في المجتمع لا يختلف كثيراً في عمومياته عما يعالجه هذا الكتاب: بعض أنماط الاجتماعات، أغلب أصول الحوار وآدابه، بعض آلياته وضوابطه، بعض تقاليد الانتخاب خصوصاً في تنصيب الشيوخ وزعماء القبائل.

فقد نظم السودانيون اجتماعاتهم وأعطوا بعضها أسماء محددة. فكانت (الحَكْرة) هي اللقاء الذي تتداول فيه العشائر والقبائل المسائل بينها ولتحكم فيه فيما يطرأ بينها من مشكلات أو لتصلح فيه ما اشتجر بينها من أمور. وقد سميت الاجتماعات عموماً بالمجلس، فهناك مجالس العمد ومجالس القرى. وعرفوا الجلسة و(المجالسة) التي ازدهرت في أيام الفونج، فكانت للمناظرة بين المفكرين من علماء وفقهاء وشعراء. عرفوا أيضاً مجلس (الأجاويد) أو (الجودية) للوساطة بين الأفراد وغيرهم. وعقدوا أغلب هذه الاجتماعات في المسايد (المساجد) والخلاوي والزوايا لما تضفي هذه الأماكن من حرمة على تجمعهم ولما تكفله من حياد. يحضر الاجتماعات غالباً الرجال. لكن بعض الاجتماعات تحضره النساء أو يكون خاصاً بهن. وتخضع الاجتماعات القبلية أبداً للعرف وتهتدي بهدى الدين ولا سيما اجتماعات القبائل التي تدين بالإسلام.

راعى السودانيون السلوك المهذب في حياتهم العامة وفي مجالسهم سواءاً كانت للصلح بين القبائل أو للمناظرة أو للسمر. وإذا انتظموا في حضرة ملوكهم أو شيوخهم أو كبار السن فيهم لأي غرض آخر، خلعوا نعالهم والعمامة فضلاً عن السلاح، فسلموا وجلسوا أرضاً أو على فرش، وذلك من باب الأدب وتأكيداً لحسن النية في المشاركة واعترافاً مسبقاً بقرارات المجلس. وإذا جلسوا، تأدبوا في جلستهم، لا يبادر بالحديث إلا الكبير، ولا يرفع الصغير صوته فوق صوت الكبير، ولا يتكلم الشاب في حضرة أبيه أو أخيه الأكبر ولو كان أفصح منه رغم شعورهم القوي بالندية وبالمساواة لبعضهم البعض.

كانوا أطول باعاً في تهيئة النفوس لتسمع من بعضها ولتنصاع (لرأي الجماعة). فاستعملوا المصطلح الديني مدخلاً لبدء أي اجتماع، ليربط الحاضرين بعضهم بعضاً ويمد جسور الثقة بينهم، وليذكرهم بأن هناك قوة فوقهم ترعاهم وتراقبهم. افتتح مجالسهم عادة أكبرهم سناً أو مقاماً بادئاً بـ (البسملة) أو بـ (الصلاة على النبي) أو (بسم الله أدنو) أو بالدعاء أو بتلاوة آي من القرآن. وعندما يحتدم النقاش تسمع (ألعن شيطانك)، و(وحدوه) أو (وحدوا ربكم). أكدوا أهمية الأخذ والعطاء في الحديث مع بعضهم البعض وصولاً للحقيقة. (فالحديث مطرقاً خدرا) أي أنه طيع يميل معك حيثما أملته وأداة قابلة للتعديل والتغيير حالما رأي المتحدث شيئاً معقولاً في طرح الآخرين يجعله يغير من رأيه ويبدل من موقفه.

اعتمدوا الشورى (الشورة) بينهم طريقة لتداول المسائل وتبادل الرأي والخبرة. فاحتكموا لرأي الجماعة التي ارتضوها لتقوم مقامهم أو لتقرر نيابة عنهم في حل مشكلاتهم ولتوحد إرادتهم في حياتهم العامة والخاصة. وكما تجتمع مجالس الشورى، يجتمع الناس كل يوم لمعالجة مهامهم اليومية، وفي كل اجتماع يحسمون ما يختلفون عليه بالموافقة العامة فـ (السكوت رضا). وعرفوا أن (الشورة هميلة) أي سهلة متاحة دائماً إذا لم يتبعها عمل.

وقد استفاد القوم من المثل والقول السائر واستخدموهما لتعزيز القيم التي ارتضوها. فحكم الجماعة مرعي كحكم الشرع و(بيت الشورة ما خرب) و(الشدرة إن مالت تقع فوق رفيقتها) و(اثنين إن قالوا لك راسك مو فوقك ألمسه). وانتقدوا من يشذ عن رأي الجماعة رغبة في الشهرة، فيقولون: "خالف تعرف،" و"الفارق جماعته ضهب" توبيخاً وتهديداً.

أكدوا أهمية الاتحاد والتكاتف لأداء أي عمل (فالإصبع الواحد ما بيغطي الوجه) و(إيداً واحدة ما بتصفق). وقد يدرك باللين ما لا يدرك بالقوة (فالدبارة غلبت الشطارة). وعلى المرء أن يستفتي من هم أكثر منه علماً (أسند على عالم تمرق سالم) و(الراي الفطير نكاس).

عملوا على تقريب الشقة بين الفرقاء، فهيئوا الجو لنشاط الأجاويد (الوسطاء) والأنفس للتراضي، و(خير الأمور الوسط). والحقيقة قد تكون صعبة على النفوس (فالحق مر) و(الخيروه حيروه) لأنه يضع المرء أمام بدائل صعبة عليه أن يختار من بينها ويتحمل مسئولية اختياره. أما الوسيط فيهيئ الجو للاستماع إليه والإصغاء لآرائه بكلمات مثل: (اسمع كلامي وأديه البحر) و(اسمع كلام مبكينك ولا تسمع كلام مضحكينك).

ولتأكيد أن الإنسان قد تميل به عواطفه، يهدئون الخواطر بأن (إبليس ما غاب من حد) وأن (ابن آدم من طين يعكر ويصفى) وأن على الإنسان أن (يخلِّي باب الصُلُح فاتح) و(الما يبلع ريق على ريق ما بلقى رفيق) للحث على استبقاء الإخوان والحفاظ على حقوقهم.

ولأن الأمور لا تحسم كلها بالتراضي والصلح، لجئوا لكل أنواع التعويضات والغرامات و(الديات) وبعض العقوبات البسيطة. وبعض الأمور تحسم (بالسالف)، فإذا قتل شخص آخر دون قصد يمكن أن يبرأ لكن يكون ذلك (سالفاً) و(راكوبة) عليه وعلى عشيرته. فإذا وقع حادث مماثل في الطرف الآخر استنجدوا بما أسلفوا من دين وبـ (الراكوبة) التي رفعوها. وأكثر القبائل السودانية تمسكاً بـ (السالف) هم البجا الذين قد يرجعون لحقب طويلة ليغطوا (السالف بالسالف).

راعوا أهمية الانتظام في الاجتماع والكفاءة في التداول، فأكدوا أهمية الاستماع للمتحدث، وقد تواتر عن الدينكا التزامهم الصمت المطبق عندما يخاطب أحد المجلس. جرى العرف أن يبدأ الاستماع للجانب المتظلم - فرداً كان أو جماعة. وألزموا المتحدثين بأن يعالجوا موضوعاً واحداً وبعد أن يصلوا فيه لقرار ينتقلوا لغيره. وطلبوا أن يتحدث المرء على قدر حاجة موضوعه، (فالاختصار عبادة) و(إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب) و(بركة الكلام في قلته).

ألزموا الفرد بألا يقاطع حديث غيره أو ينشغل عن متابعة حديث المجلس بأمر جانبي فـ (حديثين في المجلس بدعة). استعان أغلب الشيوخ بعصا صغيرة أسموها (الحداسة) فإذا قاطع أحد متحدثاً، رمى المتحدث عصاه وسط الجمع وانسحب. فرمي العصا وسط المجلس يعتبر احتجاجاً شديداً، وعلى الرئيس أن يجري ما يراه مناسباً أو يبعد المذنب عن الاجتماع لسوء تصرفه.

طلبوا من كل فرد أن يفكر ملياً قبل أن يتحدث (أحذر مما يعتذر منه)، وإذا تحدث عليه أن يكون واضحاً فعدم الوضوح يفرق أكثر مما يقرب (أشرُط يابس ولا تكابس). طلبوا من المتحدث أن يسمي الأشياء بأسمائها وأن يكون واضحاً فلا يستعمل كلمات مشحونة بمعاني غير معانيها، وألا يعمد للمكر والخديعة فيكون كلامه (كلاماً تِحته كلامْ).

أكدوا أهمية الانضباط في معاملة كبار السن والرؤساء مهما كانت صلة القربى أو الرحم فـ (الألفة ترفع الكلفة). وكان لهم لكل مجلس ولكل عمل رئيس واحد يوحد الكلمة ويقود العمل ويوجه العاملين فيه فـ (ريسين غرقوا المركب). والرئيس مكلف بأن يجيد أداء ما كلف به من أعباء فـ (الريس يجيب الهوا من قرونه). واختاروا للرئاسة أحكمهم وأعقلهم وأكبرهم سناً أو أكثرهم ورعاً وعلماً حتى يجتمع الناس حوله عن رضا به وبحكمه. وأقعدوا رئيسهم في مكان عال أو بارز في مجلسهم إعلاناً وتأكيداً لمكانته في الاجتماع. أو أجلسوه على (كَكَر) كما فعل ملوك الفونج علامة للرئاسة إذا نصبوا شيخاً على قبيلة أو حاكماً على إقليم. وما زالت لأغلب القبائل الكبيرة طقوسها في تنصيب شيوخها وسلاطينها.

تخيروا أعضاء مجالسهم بحرص، أو على أقل تقدير، توخوا أن يتحلى العضو بالعقل الراجح ليكون مشاركاً ذكياً مفيداً لغيره. فلا مجال للأبلم العيي (الأبلم مو شقي، شقي البتكلم معاه) ولو كان متعلماً فـ (القلم ما بزيل بلم). كان لهم في كل مجتمع دهاقنة وظيفتهم فض المنازعات، يُختارون من بين ذوى الخبرة في الحياة والمراس والعارفين بالأنساب وبالتركيبة الاجتماعية. يكبر قدر هؤلاء كلما كانوا أوسع إلماماً بتقاليد وأعراف المجتمعات الأخرى.

رأوا أنك إذا انتدبت أحداً فلا تقيد يديه ولا تكثر عليه من التوجيه. احترم عقله ودعه يتصرف وفق مقتضى الحال (أرسل حكيماً ولا توصيه) و(الواعي ما بوصوه). أكدوا أهمية الثبات على الرأي والموقف وأن يكون الشخص (رايه ثابت) و(الراجل يربطوه من لسانه). لكن في المقابل قد يخيب ظنهم في الرجل فيقولون: "رايه تلف." فطلبوا من المشارك أن يكون صاحب رأيه لا إمعة منقاداً لآخر فـ (الرأي الممنوع مو مسموع) وألا يكون الشخص (راخي راسه) لآخر، أي مطأطئاً رأسه لغيره، ويضرب ذماً أو توبيخاً لـ (الإضينة) الذي يصغي لكل كلام دون تمييز وللذي يدمج إرادته في إرادة غيره.

وآخر هذه العجالة، لهم عبارة مشهورة تتداولها اجتماعاتهم وهي (المجالس بالأمانات) التي تحض على الشفافية تماماً كما تحض على توخي الصدق في المجلس وعلى حفظ أسراره من أن تتسرب لخارجه إن كان ثمة ما يمكن أن يتسرب.

 

Copyright 2001by Dr. Ahmad Al Safi: Practical Democracy (الديموقراطية العملية). All Rights Reserved
Last modified: April 30, 2003